سؤال: هذه بعض كلمات النشيد الوطني الذي قد يُعتمَد من قِبل الدولة السورية الحديثة كنشيد وطني لها، وللشعب السوري، والتي تقول:” في سبيل المجد والأوطان نحيا ونَبيد .. كلنا ذو همة شماء جبَّار عنيد .. لا نهاب الزَّمَن أن سقانا المحَن …
إن عيش الذل والإرهاق أولى بالعبيد.. في سبيلِ الوطن كم قُتِل شهيد”، ما رأيكم بها، وما حكم الشرع فيها،جزاكم الله خيراً؟
الجواب:الحمد لله رب العالمين. هذه كلمات مضطربة ومتشابهة،وبعضها ظاهر الخطأ فيها لا ترقى لمستوى أن تكون نشيداً وطنياً للدولة السورية الحديثة ما بعد الثورة المجيدة..
النشيد الوطني الذي سيكرره الناس في مناسباتهم العامة، وربما عبر أجيال تالية .. ينبغي أن تكون كلماته محل إجماع واتفاق، وأكثر ضبطاً وإحكاماً من هذه الكلمات الواردة أعلاه، وأسجل في النقاط التالية بعض الملاحظات عليها:
1- قولهم:” في سبيل المجد والأوطان نحيا ونَبيد “؛ هو قول خاطئ .. فالمسلم يحيى ويبيد لله رب العالمين وحده .. وفي سبيل الله وحده .. فحياته لله، ومماته لله الذي خلقه، كما أفادت الآية الكريمة:[ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
لا شرِيكَ لهُ وبذلِك أُمِرْتُ وأَنا أَوَّلُ المُسلِمِين]الأنعام:162-163. فلا يجوز أن نشرك مع الله الأوطان،ولا المجد؛ والذي من معانيه ومفرداته:السؤدد،والرياسة، والرفعة، والعظمة، والعلو في الأرض، وهذه مفردات وإن صحت بعض معانيها إلا أنها لا تجوز أن تكون هي الغاية من الحياة والموت!
وفي الحديث المتفق عليه: قال أعرابيٌّ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:” الرَّجُلُ يُقاتِلُ للمَغنَمِ، والرَّجُلُ يُقاتِلُ ليُذكَرَ، ويُقاتِلُ ليُرى مَكانُه ــ المجد! ــ مَن في سَبيلِ اللهِ؟ فقال: مَن قاتَلَ لتَكونَ كَلِمةُ اللهِ هي العُليا فهو في سَبيلِ اللهِ “.
2-قولهم:”كلنا ذو همة شماء جبَّار عنيد”؛فكلمة جبار وعنيد لا تعني دائماً المدح،وهي في كثير من الأحيان تُطلَق ويراد بها الذم؛يراد بها الطغاة الظالمون،المستكبرون المعاندون للحق، كما في قوله تعالى:[وتِلْكَ عادٌ جحدُوا بآياتِ ربِّهِم وعصَوا رُسُلَه واتَّبعوا أَمرَ كلِّ جبَّارٍ عنِيدٍ].
وقال تعالى:[ وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ]إبراهيم:15.
3- قولهم:” لا نهاب الزَّمَن أن سقانا المحَن “؛ وهذا خطأ يترتب عليه مزلقَين: أولهما؛ الاستخفاف والاستهانة بالزمن والدهر، وهذا انتقاص خفي ومبطَّن من قدْر الزمن، الذي هو من مقادير الله، كما في الحديث:
” لا يَسُبُّ أحَدُكُمُ الدَّهرَ؛ فإنَّ اللهَ هو الدَّهرُ “مسلم. أي أن الله تعالى هو الذي خلق وقدر الدهر، وحوادثه فمن سبه سب الله عز وجل. وفي حديث آخر عند مسلم:” قال اللهُ عزَّ وجلَّ: يُؤذِينِي ابنُ آدَمَ؛ يَقولُ: يا خَيْبةَ الدَّهْرِ! فلا يَقُولَنَّ أحَدُكم: يا خَيْبةَ الدَّهْرِ؛
فإنِّي أنا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ ونَهارَهُ، فإذا شِئتُ قَبَضْتُهما “.
ثانيهما: فيه استشراف للبلاء، واستخفاف، واستهانة به .. والمؤمن لا يطلب البلاء، ولا يسأله، ولا يستشرفه، ولا يتحدَّاه .. وإنما إذا نزل بساحته صبر، واستعان بالله عليه، وسأل الله العفو، والسلامة ..
ثم هؤلاء الذين يقولون ” لا نهاب المحن “؛ عند أول ارتفاع لسعر الخبز، أو ارتفاع لسعر فواتير الكهرباء تراهم يضطربون، ويعترضون، ويولولون؟!
4- قولهم:” إن عيش الذل والإرهاق أولى بالعبيد “؛ وهذا قول متشابه؛ حمال أوجه ومعانٍ .. كل الناس عباد، وعبيد لله رب العالمين ..
فهل هؤلاء تلحق بهم الذلة؛ لكونهم عبيد لله .. هل يريدون من قولهم هذا الانعتاق من مطلق العبودية .. والله تعالى يقول:[ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ]المنافقون:8. وقال تعالى:[فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً]النساء:139. فالعزة لأولياء الله، والذلة لأعدائه ..
ولو قالوا: عيش الذل أولى بعبيد العبيد؛ لكان لقولهم معنى مستساغاً.
ويُقال أيضاً: ليس كل إرهاق ـ والذي يعني بذل أقصى الجهد والطاقة ـ هو مذموم ومن الذل .. وبخاصة إن كان هذا الإرهاق يُبذل في الخير، والبناء، والنهضة والعمران.. وما أحوج سوريا إلى هذا النوع من الإرهاق في هذه المرحلة!
5- قولهم:” في سبيلِ الوطن كم قُتِل شهيد “؛ هذا قول شركي خاطئ، فالمسلم لا يُقتَل في سبيل الوطن، وكأن الوطن صنم كبير تَقدَّم له القرابين، والأرواح .. وإنما يُقتَل في سبيل الله تعالى وحده؛ وهو ما مضى عليه جميع شهداء الثورة السورية المباركة .. فلا ينبغي أن نزوِّرَ بأيدينا تاريخ
وغايات ومقاصد هؤلاء الشهداء الأبطال .. فالأوطان مكانها أن يُقاتَل دُونها دفاعاً وذوداً عنها، لا أن يُقاتَل في سبيلها، وكأنها هي الغاية التي ليس بعدها غاية، والصواب أن يُقال: كم قتيل قُتل في سبيل الله دفاعاً عن الأوطان، وعن الحقوق، والحرمات .. كما جاء في الحديث الصحيح:
” مَنْ قُتِلَ دُونَ مالِهِ فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِه فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ دينه فهوَ شهيدٌ، ومَنْ قُتِلَ دُونَ أهله فهوَ شهيدٌ “. وقوله ” مَنْ قُتِلَ دُونَ …”؛ أي من قُتِل في سبيل الله دفاعاً وذوداً عن كذا، وكذا .. فهذا هو التعبير الصحيح، وخلافه فهو الباطل.
ولو قيل: لأشد دول الأرض إلحاداً وكفراً، وطغياناً .. صفوا قتلاكم بكلمة .. بم تصفون قتلاكم في المعارك، لقالوا جميعهم ما قاله الشاعر صاحب هذه الكلمات: هم قتْلَى، وشهداء الوطن …؟!!
خلاصة القول: هذه الكلمات المشار إليها في السؤال لا ترقى لأن تكون نشيداً وطنياً .. ولا ينبغي ..
واعتمادها كنشيد وطني سيسبب حرجاً شديداً للأكثرية المسلمة؛ والتي على عواتقهم قامت الثورة السورية المباركة .. وقد تلقى منهم رفضاً، وعدم قبول، واحترام .. لذا أرجو أن يُعَاد فيها النظر قبل أن تُعتمَد، ويقع الحرج، ويقع ما نكرهه، ويكرهه الشعب السوري المسلم.
_______________
To inquire about a translation for this fatwā for a fee email: [email protected]

