بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى .. أما بعد ..
فقد اطلعت على بحث بعنوان “العلامات الفارقة في كشف دين المارقة” للشيخ الدكتور “مظهر الويس” رئيس الهيئة الشرعية وعضو مجلس شورى المجاهدين في المنطقة الشرقية (كما جاء في الغلاف) ، وكتب تحته : “بحث تأصيلي يكشف حقيقة جماعة الدولة شرعاً وواقعاً” ، وقد قدم للكتاب كلاً من :
– الشيخ د. طارق عبد الحليم
– الشيخ د. هاني السباعي
– الشيخ أو قتادة الفلسطيني
– الشيخ أبو العباس الشامي
– الشيخ أبو مارية القحطاني
هذا كله على غلاف الكتاب أو البحث الذي جاء في (260) صفحة مع الفهارس ..
الكتاب جيد من ناحية كثرة النقولات عن العلماء في مسألة الخوارج وبعض المسائل العلمية الأخرى ، وفيه الكثير من الفوائد التي أنصح طلبة العلم بالإستفادة منها خاصة طلبة العلم في الدولة الإسلامية لما فيه من نقولات في بعض المسائل التي تهمهم وتهم غيرهم من الفصائل المقاتلة ..
أما المآخذ على هذا الكتاب : فمأخذين في الغلاف :
الأوّل : في العنوان ، في قوله “دين المارقة” وهو يعني بالمارقة “الدولة الإسلامية” ، ولا أدري كيف يكون بحثاً شرعياً ثم يوحي بأن للمارقة الخوارج ديناً غير دين الإسلام ، والصحابة اجتمعوا على عدم تكفيرهم ، وهذا مشهور عن علي رضي الله عنه الذي روى أحاديث “المارقة” .. ثم هذا تكفيرٌ للدولة الإسلامية التي قصدها بهذا العنوان ، والكاتب يحذّر الدولة من التكفير ويسمها بالخارجية بسبب ذلك !!
ثانياً : لو كنت كاتباً لبحث علمي شرعي فإني أربأ بالمسائل الشرعية التي في البحث أن يقدّم لها رجل كالدكتور “طارق عبد الحليم” الذي اشتهر بسلاطة لسانه وبذاءته ، فهذا يعيب البحث الشرعي ويعيب كاتبه ، وقد كتب قبل اسمه “فضيلة الدكتور” ولا ندري أي فضيلة تتحقق بالبذاءة !! نسأل الله أن يهدي الدكتور طارق لحسن الخلق ، إن لم يكن لنفسه ولسنِّه ، فللعلم الشرعي الذي ينشره ، والذي له حرمة تجب مراعاتها ..
أما ما يخص البحث :
فأولاً : البحث جيد من الناحية العلمية لكثرة النقولات ولجودة بعض الاستنباطات في بعض المواضع ، ولكنه بحث متحامل جداً على الدولة الإسلامية ، وكثير من الاستنباطات الشرعية التي حاول الكاتب إنزالها على الدولة ليست في محلها ، فالكاتب عمد إلى بتر النصوص وتقطيع كلام أهل العلم وجمعه من هنا وهناك ثم إعادة خياطة كل هذا بخيط رديء ليكون على مقاس الدولة الإسلامية فأتى الثوب مرقّعاً رديء الخياطة رغم جودة القطع وجمالها .. ومما يعيبه : إتيانه بشهادات مخالفي “الدولة الإسلامية” ليقوي موقفه في البحث ، والكل يعلم بأن أهل الحديث لا يقبلون شهادة الأقران من أهل الحديث الثقات في بعضهم البعض فكيف بشهادة المخالفين المتنافسين المتخاصمين المتعادين المتقاتلين في بعضهم !!
ثانياً : شهادة الكاتب على الدولة فيها الكثير من الظلم ، وهذا لا يليق بالعلماء وطلبة العلم ، فلم تطاوع الكاتب نفسه ذكر حسنة واحدة للدولة الإسلامية في بحثه الطويل ، بل قلَب كل حسنة للدولة سيئة ، وهذا من الظلم والجور الذي لا يقبله الشرع ، والسلف كانوا مع محاربتهم للخوارج وتكفير الخوارج لأخيارهم إلا أنهم شهدوا لهم بالصدق والإخلاص ، وكانوا يستشهدون ببعض أشعارهم ويضربون المثل بشجاعتهم ، أما الكاتب فلم يعترف بأي فضل ولا منقبة للدولة التي حكم عليها بالخارجية – وما فوق الخارجية – ظلماً وجورا (انظر الباب الرابع من كتابه) !!
ثالثاً : لم يكتف الكاتب بوسم الدولة بالخارجية بل جمع لها أوصاف الفرق الأخرى ليقع في تناقضات كان في غنى عنها ، فأضاف للدولة : التقية والغدر والخداع التي هي صفات الرافضة ، ثم الإرجاء بالعُجب والغرور وتزكية النفس ، وليته اكتفى بهذا بل زاد فقال : “وفي مزيج من ضلالات كثير من الفرق” (انظر خاتمة بحثه : ص208) ، ولا ندري ما بقي من شر للنصيرية والرافضة والصليبيين إذا اجتمع كل هذا في الدولة !!
رابعاً : لعل من أخطر ما قاله ، ولعله المقصود من هذا البحث حسب ما يستنتجه القارئ ، قوله في الخاتمة (الفقرة 13) : “لقد أجمعت الأمة على وجوب قتال الخوارج ، إذا خرجوا على الناس ، بل هو مرغّب فيه في الشرع ، لأنه ذبّ عن السنّة ، ولم يأت الأمر بقتال طائفة قتل عاد إلا الخوارج ، وذلك لشرّهم المستطير ، ولذلك فمن أوجب الواجبات اليوم في أرض الشام هو التصدي لهذه الجماعة المارقة” (انتهى) ، وقال في الفقرة التي تليها (14) : “وقتال الخوارج ليس من قتال الفتنة كما يُشاع ، بل هو من أفضل أنواع الجهاد في سبيل الله” (انتهى) !! وقال في الفقرة (19) : “أقرب الناس إلى الحق في زمن الفرقة هو من يتصدى للخوارج ، ولذلك فعلى الناس اليوم التوحد تحت هذه الراية ، ففيها سفينة النجاة لأهل الشام ، وهي بداية مشروع سُنّيّ يعيد للأمة عزها بإذن الله” (انتهى) ..
فالكاتب يدعوا الجماعات المجاهدة في الشام للتوحّد تحت راية المشروع السنّيّ لقتال الدولة الإسلامية ذباً عن السنّة وإعادةً لمجد الأمة ، فقتال الدولة عنده من أوجب الواجبات ، ومن أفضل أنواع الجهاد !!
نقول للشيخ الدكتور مظهر الويس هدانا الله وإياه : ما الفرق بين دعوى الدولة الإسلامية لقتال “المرتدين” من “الصحوات” في الجماعات المقاتلة والتي بسببها رميتم الدولة بالخارجية ، وبين دعوتكم لقتال “الخوارج المارقين” في الدولة الإسلامية !! أليست الدعوى واحدة !! أليس الأجر يتوزّع بينكم في قتال بعضكم البعض : هذا يقاتل الصحوات المرتدين ، وذاك يقاتل الخوارج المارقين ، وكلا القتالين فيه أجر كبير عظيم لمن أخلص النية ، فهذا هو مشروع الأمة السنّي القادم الذي فيه عزها ، فحفظ السنّة ورأس المال – بقتال الخوارج والمرتدين – مقدّم على قتال الكفار !! فليهنأ النصيرية والرافضة بهذه الإجتهادات ، فقد كفيتموهم مؤنة البحث وأرحتم من بعدكم !!
كلما قرأت أو سمعت أو اطلعت على مثل هذه الإجتهادات تذكّرت الشيخ عبد الله عزام رحمه الله وتقبله في الشهداء .. حُقّ لأمة محمد – صلى الله عليه وسلم – أن تترحم عليه كل يوم وتسأل الله أن يرزقها رجلاً مثله يعيش بين أهل الجهاد ليقيم المعوجّ ويصلح ذات البين ويزيل هذا الشر – الذي لا خير فيه – من تناحر وتباغض وتكفير وتفسيق واتهام وتخوين وتقاتل لا طائل منه {لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (النساء : 114) فكل من يكتب أو يقول أو يدعوا لأمر فيه اقتتال بين المسلمين فلا خير فيه ، وإنما الخير – كل الخير – في الإصلاح








