New article from Shaykh Ḥussayn bin Maḥmūd: "The Question of the Caliphate"

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، أما بعد …
تكلم البعض عما ورد في المقال السابق بعنوان “مهلاً قادة الجهاد” والذي جاء فيه موافقة الشيخ العدناني – حفظه الله – على فكرة “مبايعة رجل صالح مؤهّل رشيد يختاره المسلمون ليكون خليفة تتوحد خلفه الأمة المجاهدة ” ، ولم ينتبه البعض لحدود الكلام في هذه الجملة ، والجملة الأخرى التي جاءت بهذه الصيغة “احرص على جمع كلمة المسلمين ، وانظر ما اقترحتَه من اختيار خليفة للمسلمين واعمل على تحقيقه فإن هذا من أعظم الواجبات على الأمة ، واستعن بالله ولا تعجز ، ولا تستعجل الأمر ، وليكن ممن يرضاه أكثر أهل الجهاد في الأرض .. راسل جميع الجبهات سراً وتشاوروا وأجمِعوا على رجل مسلم بالغ عاقل قرشي أمين عادل قادر جريء على إقامة الحدود واقتحام الحروب عالم بالشريعة ضالع في السياسة عارف بالناس ذو دهاء وحكمة ، فإن لم تجدوا فسددوا وقاربوا ، ولا يكون الإعلان عن مثل هذا إلا بعد موافقة جميع الجبهات المقاتلة المعتبرة ، وبعد استشارة أهل الحل والعقد في الأمة ليحصل المقصود من جمع كلمة المسلمين” (انتهى) ..
بعض الناس – غفر الله لنا ولهم – حملوا الكلام على غير محمله ، وقالوا بأن هذا من الموافقة المطلقة على رأي فيه افتئات على المسلمين ، ولا أدري من أين جاء هذا الفهم ، فالكلام واضح ، والشرط في الجملة الأولى “يختاره المسلمون” وفي الثانية “موافقة جميع الجبهات المقاتلة المعتبرة ، وبعد استشارة أهل الحل والعقد في الأمة ليحصل المقصود من جمع كلمة المسلمين” ، ونحن إذ نخاطب قادة الجهاد وطلبة العلم فيهم فإنه يغلب على ظننا أنهم يعرفون الحدود الشرعية والقواعد السياسية المرعية ، فهم أهله ، وأمر الإمامة أعظم من أن يحيطه الإنسان بجملة أراد اختصارها مخافة سىآمة القارئ ..
الكلام على الإمامة الكبرى – أو الخلافة – هو كلام عن إقامة دين الأمة ودنياها نيابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهذا الأمر الخطير لا يمكن أن نعبّر عنه – أو يكفي النصح فيه – بجملة أو جملتين ، فالأمر أعظم مما يتصور البعض ، ونحن إذ نخاطب أناساً نظن فيهم العلم والدراية والحرص على المتابعة وعلى مصلحة المسلمين – نحسبهم كذلك والله حسيبهم – فإننا لا نحتاج إلى إطالة ، وحسبنا وحسبهم الإشارة ..
الكل يعلم بأن الإمامة الكبرى واجبة الإنعقاد في الأمة ، وتأثم الأمة بعدم وجودها ، ويكون الإثم أكبر على أهل الحل والعقد فيها ، وللإمامة شروط ، منها : أن يكون المرشّح لهذا المنصب الخطير في الأمة رجلاً مكلّفاً حراً سليماً قرشياً مجتهداً تقيّاً عادلاً شجاعاً عالماً بالسياسة والحروب قوياً في نفسه وفي الحق ، وغيرها من الشروط التي وضعها العلماء ، والتي اختلفوا في بعضها ، وأن اختيار هذا الإمام لا بد أن يكون من أهل الحل والعقد في الأمة فترضاه ، وهؤلاء ينبغي أن يكونوا أهل رأي وحكمة ونصح ووجاهة في الناس ، والبعض اشترط فيهم الإجتهاد أو في أحدهم ، وبعد تتبع واستقراء آراء العلماء وكتب التاريخ تبيّن أن هؤلاء لا بد أن يكونوا متبوعين في الناس ، والناس يرضون رأيهم ، ويطيعونهم ويثقون بهم ..
إذا علمنا هذا ، عرفنا أن الإمامة اليوم لا تنعقد لأي إنسان تبايعه جماعة بعينها دون سائر الأمة ، أو فلنقل : دول أهل الحل والعقد في الأمة .. ومما لا شك فيه أنه يدخل في أهل الحل والعقد في الأمة : العلماء المعروفون بالصدق والعلم والنصح ، وهؤلاء كثير في الأمة – ولله الحمد والمنة – وقد سهّل الله تعال الإتصال بهم بواسطة وسائل الإتصال الحديثة ، ولا شك أن قادة الجهاد – الذين عرف القاصي والداني صدقهم ونكايتهم في العدو وبلائهم – هم من أهل الحل والعقد في الأمة ، وعلى رأس هؤلاء اليوم : الأمير الملا محمد عمر مجاهد ، والشيخ الأمير أيمن الظواهري ، وأمراء المجاهدين في العراق والشام والشيشان والصومال وبلاد المغرب واليمن وغيرها من البلاد ، فهؤلاء – وغيرهم – من أهل الحل والعقد الذين لا بد من مشاورتهم وأخذ رأيهم في هذا الأمر العظيم ..
إننا حينما نقول لطالب علم شرعي أن يسعى في مثل هذا الأمر الجلل ، فإنه يغلب على ظننا أنه يعلم هذه الأمور ، ويعرف هذه الأحكام ، ويُدرك خطورة هذا الأمر ، ولا نظن أن مثل هذا يجهله أهل العلم والدراية والنظر ..
لقد عانت الأمة الإسلامية كثيراً من هذا الأمر ، حتى في عهد الصحابة رضوان الله عليهم ، فهذا الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما وكلت إليه الخلافة خالفه بعض الصحابة في اجتهاد وخرجوا إلى العراق ، هذا مع علمهم أنه أهل للخلافة وأنه أفضلهم وأنه قادر على أداء هذه الأمانة ، ولكن لما التبس الأمر وظنوا أنهم مكرهون عليه وأن قتلة عثمان هم من بيدهم الأمر خرجوا يبتغون نصرة الدين ومقاتلة البغاة الذين قتلوا الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه ، فحصل ما حصل ، وتقاتلوا في معركة الجمل ، وافترقت الأمة من تلك الساعة إلى يومنا هذا ..
لو نظرنا إلى هذا الموقف العجيب لرأينا أن علياً رضي الله عنه لم يطلب الخلافة ، ولم يرغب بها ، وأنه شبه مكره عليها ، وقد أصرّ على أن يبايعه كبار الصحابة ، والصحابة يعرفون علمه وعقله وزهده وورعه وتقواه ، ويحفظون له سابقته ومكانته ، ومع ذلك خرجوا على البغاة في جيشه ، وخرج هو في طلبهم ، وكانت فتنة عظيمة ، وحرباً طاحنة قُتل فيها خيار أهل الأرض ، فكيف بنا نحن اليوم !! ذكر ابن كثير في تاريخه بإسناد جيّد أن الصدّيق رضي الله عنه لما ولي الخلافة نظر في وجوه المبايعين فلم يرى الزبير وعلي فدعاهما وخاطبهما على رؤوس الأشهاد فلامهما على تأخر بيعتهما ، فاعتذرا وبايعا ، وما فعل ذلك إلا لمكانتهما ، ولتجتمع كلمة المسلمين ، وهذا من فقهه وعلمه رضي الله عن الصحابة أجمعين ..
إن البيعة الخاصة من جماعة لا تكفي لإقامة الخلافة ، بل لا بد من بيعة أهل الحل والعقد في الأمة ، وهم اليوم العلماء الثقات وقادة الجهاد ووجهاء الأمة ، والإتصال بهؤلاء متاح أكثر من أي وقت مضى ، وما جاء عن بعض العلماء من أن الخلافة تنعقد ببيعة خمسة لأن عمر رضي الله عنه جعل الأمر شورى في الستّة ، فهذا لا يستقيم اليوم إلا إذا جئنا بمثل عمر يختار ستة مثل هؤلاء يجتمع على رأيهم المسلمون ، فالفاروق والستة كلهم من المبشرين بالجنة ، وكلهم من الصحابة الكبار ، وكلهم من الفقهاء ومن وجهاء الأمة ، وكلهم قُبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ ، وكلهم يرضاه المسلمون ، وكان الإختيار في عاصمة الخلافة الإسلامية وبين الصحابة وكبار رجالات الأمة ، فإن كان الأمر كذلك فلا شك أن هذا مشروع ، أما أن يأتي اليوم خمسة رجال يبايعون رجلاً سادساً بالخلافة – كما كان يفعل الخوارج الذين لكل جماعة فيهم خليفة – فهذا لا يُشرع ..
إن هذا الأمر يحتاج إلى جهودٍ جبّارة ، وحكمة وحنكة ودراية وتدبير ، ويحتاج إلى صبر ومصابرة ، ويحتاج إلى إجتهاد العلماء وقادة الأمة لإيجاد آلية اختيار الخليفة ، ويحتاج إلى التكاتف والتعاضد والتشاور بين المسلمين ، وأقول المسلمين وليس المجاهدون خاصة ، فالخليفة ليس معنياً بأهل الجهاد فقط ، والخلافة تحتاج إلى إعداد وقوّة وثبات ، وتحتاج إلى دولة ورجال وسياسة وحكمة وحنكة ودهاء ، فالأمر ليس بهذه السذاجة وهذه البساطة ، بل هو من أعظم الأمور وأخطرها ، خاصة في وقتنا هذا ، فإعلان الخلافة معناه استعداء جميع قوى الأرض الكافرة جملة واحدة على الأمة ، وهذا لا بد له من إعداد وقوة ووحدة بين الأمة ..
الخليفة ليس معنياً بحكم قطر واحد من أقطار المسلمين ، بل يحكم جميع بلاد الإسلام حكماً حقيقياً ، ويجعل ولاة على كل قطر ، والمسلمون في كل قطر من أقطار الإسلام يدينون له بالولاء والطاعة في غير معصية ، فالصحيح أن الإمامة لا تتعدد في الأمة : فلا يكون حاكماً مستقلاً على ولاية ، بل يجب أن يكون الجميع تحت ظل الخلافة ، وهذا هو الصحيح المطابق للنصوص الشرعية ، وما جاء عن بعض العلماء من جواز استقلال الحكام بالبلاد – كما هو الآن – فهذا مخالف للنصوص الشرعية في الكتاب والسنة ، ومخالف لحقيقة أن هذه الأمة واحدة ، وإنما قال بعض العلماء مثل هذا لتبرير الواقع الذي تعيشه الأمة ، وكم من فتوى سياسية جاءت مخالفة للنصوص الشرعية مراعاة للواقع المرير الذي تعيشه الأمة ، فالواجب الرجوع إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ولا يجوز تغيير الأحكام الشرعية بفتاوى تبريرية ، بل يجب إعمال الكتاب والسنة ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً ، وقد نكون مضطرين لعمل من الأعمال مخالف للنصوص ، وهذا يأخذ حكم الضرورة ، ولكن ما لا ينبغي هو تغيير الحكم الشرعي من أجل هذه الضرورة : فالواجب يبقى واجباً وإن تركناه ، والحرام يبقى حراماً وإن أتيناه ..
والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..
كتبه
حسين بن محمود
17 رجب 1437هـ

 
___________

To inquire about a translation for this article for a fee email: [email protected]