New release from Abū ‘Imād al-Shāmī: “About the Compass of Turkish Actions”

لا يبدو أن قطار الحل الدولي الشامل في الشام قد وضع على سكته، و لا زال مسار الأستانة الروسي متأرجحا بلا تفويض أممي، مواجها لمطبات و صعوبات حائلة دون استجلاب الإجماع الدولي الزاخم، إجماع لا غنى عنه في إنجاحه و تبنيه و الارتكاز في البناء السياسي عليه؛ حيث لم يحظ هذا المسار – إلى الآن – سوى بمباركات جوفاء، مع غياب المشاركة الوازنة من باقي الدول المؤثرة الفاعلة، و في مقدمتها أمريكا.. لكن برغم هذا؛ و مع افتقار الأجواء الدولية لخطة مقابلة بديلة، و انحسار الثورة جغرافيا و عسكريا، و مع ميل أوروبا شيئا فشيئا نحو الرؤية الروسية، و تحوّل الكلام عن انتقال سياسي في جنيف إلى ثرثرة و هذيان؛ فقد يفرض الاتفاق أمرا واقعا سرعان ما تنتظم الدول في قطاره تباعا، إن لم يواجه بسعي مصيري لإفشاله و خلط أوراقه، عبر المنع الجازم لأي ترسيم حدود أو تدويل مناطق، و عمل عسكري مؤثر يكسر الجمود الميداني و يغير مشهد الخارطة، و يعيد لهذه الثورة تألقها و بهجتها و اندفاعها.

إذن؛ لا يحظى الأستانة بقوة دافعة تكفي لنفاذه بالحتمية الدولية، و لا بتواطؤ أو تشارك عارم يضمن تقسيم الأعباء العسكرية و الاقتصادية لإحلاله؛ بالتالي لا يملك رعاتُه خطة واضحة لسبل و آليات فرضه في الميدان المحرّر، غير الاتكال على “الميانة” التركية على الفصائل و التلويح بأوراقها الضاغطة المؤثرة؛ و من الصعب تصور الضمانة التركية بغير هذا، أو توقع ذهابها في الاتفاق لأبعد من ذلك: كالإقدام على تطبيقه عنوة عبر اجتياح إدلب، بما يعنيه ذلك من عمليات عسكرية مفتوحة، طويلة و شاقة، لا تتوفر لها الحماسة و لا القدرة و لا الضرورة.

و هذا لا يعني انعدام الجدية التركية في التزامها الأستاني، و لا نفي طمعها في ضم إدلب إلى مناطق نفوذها الحيوي المباشر، في خضم سباق القوى على قضم الحصص قبل دقّ ساعة الحل؛ لكن غاية ما يمكنها بذله عند تيقنها من المواجهة المكلفة، و ترائي أشباح الاستنزاف و أحماله الثقال؛ هو إدارة الظهر و حصار الثورة في إدلب، أو الارتكان على تجييش الوضع الفصائلي و الشعبي، و خلق حالة صدامية مع الهيئة داخليا، دون التطوع لمهمة إزاحة الوجود الجهادي لوحدها نيابة عن أحد؛ و هو هدف لا اتجاه إليه سوى في تصفيات التسوية النهائية، حيث لا زال هذا الوجود معدلا لميزان القوى، و ذراعا عسكريا للثورة في الحرب التي قد تعاوَد مع النظام و محوره.

فهذا الدور لن تضطلع تركيا به في القريب العاجل، و لن تدفع ثمنه منفردة، و من المستبعد دخولها جالبة الدمار و النزوح و أوزار الحرب مجددا إلى المحافظة بدلا عن الروس و النظام، و بغير دعم دولي أو ثمن مسكِر، أو حاجة قومية ملحّة، مع افتقار أي حملة كهذه إلى المبرر السياسي و الأخلاقي الضامن لإقناع و تماسك الجبهة الداخلية التركية، و هو ما لا بد منه في حرب مفتوحة كهذه؛ و قد رأينا كيف تعالت الأصوات الشعبية التركية المناهضة لعملية درع الفرات، و انطلاق حملات متتابعة لجمع تواقيع إيقافها بعد عشرات القتلى الأتراك فقط! و هي العملية التي أظهرت مدى العجز التركي بغير المؤازرة الأمريكية، و أطاحت بهيبة النخبة بعد تجمدها على تخوم الباب و تلة عقيل، فلم يخضعوها إلا بعد شهور مليئة بالفشل و الخسائر و استصراخ أمريكا! و قد برهنت الحرب الشامية بالعموم على هزالة الجيوش الإقليمية و قلة حيلتها، خاصة تجاه استعصاءات المدن، و إمكانية إفشال خططها و حملاتها عبر التمترس الجبهوي النظامي، إن لم تكن مدعومة بالجهود الأمريكية حصرا.

أما الدخول العسكري الذي يمكن لتركيا أن تدفع ثمنه مهما غلا و علا، فهو التوجه لاحتواء المشروع الكردي و إجهاضه، و هذا توجبه الضرورة القومية القصوى و مصلحة الأمة التركية العليا؛ و قد انجلت الخطط التركية عن تحرك أولي نحو عفرين، لحصارها أو دخولها، و التي لن تكون نزهة للجيش التركي و مرتزقته، إلا إن أسفرت التفاهمات عن إخلائها أو إفساح بعض نواحيها؛ و إن سلك الطريق إلى إدلب بعدها فهي ثغرة نحو حرب الهيئة و التمدد في المحافظة، و هناك لن يكون القرار تركيا بحتا، بل دوليا مرتبطا بمناخ التسوية و إرهاصاتها، و سيسهل عند ذلك تسويق المعارضة لدعمها دوليا بعد تمايزها و تزيّلها؛ و لا بد من حبك رؤى جسورة لمعالجة الخوف من الخيانة الداخلية حينها، و الكافلة لتأمين الظهر و أريحية السيطرة و الحشد و الإمداد.

و في جميع الأحوال، يبقى تجنب المعركة مع الأتراك هدفا استراتيجيا للجهاد و حركته، ما تركونا، فهي معركة ينقصها تأييد الشعب بل حياديته، و لا يبدو أن التعبئة قد تغير في مزاجه شيئا، مهما ضُخ فيها، فأيادي الأتراك البيضاء و جنوح الناس للخلاص ستظل تمحو ما نثبت؛ لكن إن مسّ الأمر الهيمنة الأمنية و العسكرية للحالة الجهادية القائمة، أو حِمى وجودها و حضورها و مكتسباتها، أو هدد الجهاد بالإنهاء و التجميد المطلق تمهيدا لسلام مع النظام؛ فتلك خطوط احمرّت بخضاب الدم و حنّاء التضحيات، تغيب عندها الاستراتيجيا و يحضر الصدام و سحب الأقسام؛ و ذلك قدر الحركة المجاهدة، و بلاء ريادتها، و ضريبة رفعة قيمها و مطالبها، في محيط آسن سافل و مسبعة لا قيمة فيها لغير المصالح، و صراع كبار لا سبيل فيه انتهاءً إلا الوكالة و العمالة، أو التخندق و التجلد و المواجهة.

أبو عماد الشامي

_____________

Source: https://justpaste.it/18i15

To inquire about a translation for this release for a fee email: azelin@jihadology.net