Essay from Ḥamzah bin Muḥammad al-Bassām: “Second Installment- The Sociable Benefits and the Uprisings Across Egypt and Tunisia”

NOTE: You can see the first installment here. For more jihādī releases related to the various uprisings in the Arab world see here.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

التخطيط لتحديد نوعية الصراع

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..

وبعد..

تحدثتُ في الحلقة الماضية عن إدارة الصراع وما يلزم لذلك باختصارشديد، واليوم نتحدث عن الصراع كيف يكون, أو بصيغة أخرى: التخطيط لتحديد نوعية الصراع, والمقصود به صراع التغيير.

التخطيط لتحديد نوعية الصراع:
تنبع أهمية هذا الموضوع من أن تحديد نوع الصراع يجعلنا نوفر الإمكانيات اللازمة لإدارته والدفع به ليبلغ غايته، ونوعية الصراع تحددها طبيعة المعركة التي نخوضها؛ هل هي دعوية أم فكرية أم سياسية أم عسكرية، وهل هي داخلية ضمن إطار المجتمع الذي نعيش فيه، أم خارجية عابرة للحدود أم مزيج من هذا وذاك.
ولأن تحديد نوعية الصراع يجعلنا نستفيد من جهود مهدرة وأوقات ثمينة ضائعة في لا شيء بحجة أنه لا يمكن القيام بأي نشاط، أو أن يغلق الإنسان فكره ونشاطه في العمل العسكري المسلح وحسب، إما القتال أو لا عمل، وهذه طريقة تفكير عقيمة تحجر العقل وتحد من انطلاقته ونشاطه.

كذلك هذا النوع من التخطيط يجعلنا نقرأ الواقع من حولنا قراءة صحيحة؛ لأنه في الأساس عملية ترتيب أفكار وأولويات, ثم إيجاد برامج وخطط تعمل على تحقيق هذه الأفكار, ثم إيجاد آليات للتنفيذ الصحيح الذي يتناسب مع الوضع الذي نعيش فيه أو مع المجتمع من حولنا.
ويجب في هذا النوع من التخطيط توسيع دائرة العمل بحيث تشمل كل مجال نحن في حوجة إليه.

وإذا أعطينا هذا النوع من التخطيط حقه من العناية والاهتمام، فإننا بهذا نستطيع تجاوز عقبة الانتقال من مرحلة النكاية إلى مرحلة التمكين بانتقال سلسل طبيعي يعطي كل دور ومرحلة حقها حتى تستقر، فعملية انتقال أي حركة أو جماعة أو تنظيم من العمل المسلح إلى العمل المدني ليست بالهينة، ونرى أنها يجب أن تأخذ وقتها ونصيبها من النظر في الكيفية المثلى التي سيتم بها الانتقال وذلك عبر العمل على أنشطة متعددة المسارات في المجتمع تكون محصلتها التمكين في النهاية.

ومن المهم أن نخطط لتحديد نوعية التدافع الذي يفرض نفسه على الساحة الآن؛ هل هو تنافسي أم صفري[1].

فوفق النظريات السياسية فإن التدافع ينقسم إلى قسمين:
أ‌-تنافسي ( سياسي):
لأجل تحقيق بعض المطالب وإحراز بعض المكاسب, مثل رفع الظلم وزيادة هامش الحريات بالنسبة للإسلاميين، والإفراج عن الأسرى والسجناء…إلخ.
ب‌- وجودي (صفري):
هو صراع وجود, أكون أو لا أكون، بمعنى أن تكون نتيجته إفناء الخصم، بحيث يدكدك النظام الحاكم بتدمير جميع مفاصله ومكامن قوته التي يرتكز عليها، فلا يستطيع التحكم بأي أمر من أمور الحكم، وهو ما نعتقد أن الثورة فشلت في تحقيقه حتى اللحظة ويظهر هذا من بقاء النظامين التونسي والمصري كما هما مما يتيح فرصة أكبر للالتفاف على الثورة وتبديد قوتها وتشتيت فعاليتها.

وفي كلا الصراعين يمكن استخدام أية قوة أو موارد متاحة، بشرية كانت أم فكرية أم عسكرية … إلخ.
والتدافع في كل من تونس ومصر بدأ تنافسياً لتحقيق بعض المطالب والإصلاحات، ثم تطور مع مرور الوقت وتشديد القبضة الحديدية للأجهزة القمعية ليكون صراعاً صفرياً، نتيجة للاستفزازات والتعامل الوحشي ليرتفع سقف المطالب إلى المناداة برحيل النظام، ثم ما لبث أن انكفأ ثانية لصراع تنافسي, وهكذا تعلو وتيرته وتنخفض دون أن يكون لهذا الصراع موجه أو مدير للدفة سوى عاطفة غاضبة ونفس ساخطة، إذا نشطت هبت وإذا كلت قعدت.

وسنقسم الصراع باعتبار أنواعه إلى:
أ‌-صراع سلمي (حرب اللاعنف).
ب‌-صراع عنيف.

النوع الأول:
حرب اللاعنف:
الحالة المصرية التي نستقرئ منها فوائد هذا البحث تعد تجربة حية لتطبيق ما يسمى بنظريات حرب اللاعنف، أو الخيار الثالث بين العنف والاستسلام، وهي نوع من المقاومة السلبية كما يسميها المختصون بالشؤون السياسية والاجتماعية!
ولعل التجربة المصرية كانت أشد وعياً من التجربة التونسية، من حيث الترتيب والاستعداد لإلهاب عاطفة الشعب وأنه لا بد من الثورة على النظام.

وما يجعلني أتناول هذا الخيار ضمن هذه الحلقة هو غيابه عن أدبيات أنصار المجاهدين والمتعاطفين معهم، ويرجع هذا لأسباب عديدة أهمها:

-القمع الوحشي الذي يتعرض له التيار الجهادي ومناصروه والمتعاطفون معه.
-جهلهم بفنون ومهارات هذا النوع من الصراع.
-عدم استغلال هامش الحرية المتاح بالصورة المثلى لإذكاء الشعور الشعبي بصحة منهجنا وعدالة مطالبنا الشرعية.
– حصر الخيارات في العمل المسلح وإلا فالركون والإخلاد، بمعنى إما قتال أو لا عمل.
-الاستسلام للفتاوى السياسية التي تحرم الخروج في المظاهرات دون تفصيل.
-عدم الاستغلال الأمثل للوقت المهدر في التوجع والتألم لما يحدث للأمة في عمل مفيد شرعي وفكري يطور من مهارات أنصار الجهاد، فإن لم يكتب لك الله الجهاد في الجبهات فساحات الجهاد باللسان والبيان منتشرة، وساحة بناء الصف ونشر المنهج وتطوير الذات والغير تفتقر لمن يتصدر ويتصدى لها.

وميزة حرب اللاعنف كما رأينا أنها تستطيع حشد أكبر عدد ممكن من القوى الشعبية (غير المنظمة)، فكل ما على المُنظِّم أن يقوم به هو إقناع هذه القوى بالفكرة لتتولى بفعالية بقية عملية التغيير كما رأينا، ولأن الجماهير بأعداد كبيرة تتحمل ما يسقط منها من خسائر وتعتبره وقوداً دافعاً للمسير ومحفزاً على البقاء حتى تحقيق الأهداف، إن وجدت القيادة الراشدة التي تحكم ضبط الأمور حتى لا تذهب الجهود سدى.

وحرب اللاعنف خيار يعتبره البعض خياراً حديثاً[2]، تلجأ إليه القوى التي لا تؤمن بمنهج العمل التغييري العنيف[3]!، ونحن هنا لا يهمنا الالتزام الحرفي بمبدأ اللاعنف، بقدر ما يهمنا معرفة أدبياته وفنونه وتطبيق أكبر قدر منها بحيث نحاصر هذه الأنظمة المستبدة، ولأنه في بعض مراحله الأخيرة أي مرحلة الحسم يضطر لاستخدام العنف ليحافظ على مكتسباته، أو هو يتحول لخيار عنيف إذا ما ووجه بتعامل عنيف، فغريزياً يتحول الإنسان إلى حالة الدفاع عن النفس، ولهذا أرى من الواجب أن نفعَّل هذا الجانب وأن نعطيه حقه وحيزاً لا بأس به في أدبياتنا في هذه المرحلة المفصلية من عمر الأمة.

النوع الثاني:
التغيير العنيف:
وهو الخيار الذي تبنته جميع التنظيمات والجماعات المسلحة التي رأت أن هذه الأنظمة لا تزول إلا بالجهاد في سبيل الله بقتالها وقتال من يقف خلفها من قوى الكفر العالمي، والجهاد شرعة ربانية ماضية إلى قيام الساعة لا يضر أهلها خذلان متخاذل أو مخالفة مخالف.

وختاماً لنعرف أثر غياب هذا النوع من التخطيط عن حيز التفكير النظري لمعظم الجماعات الإسلامية، نلاحظ غياب الرؤية الواضحة لكثير من الجماعات الإسلامية والمشايخ لما سيكون عليه شكل الحكم أو ما هو تصورهم للوضع بعد تفاقم هذه الأمور، ولأن فاقد الشيء لا يعطيه نراهم ما بين متخبط يناشد بالكف, وآخر يؤيد في تحفظ, وثالث يدعو للسير قدماً بالتأييد المطلق لهذه الثورة رغم ما فيها من الدخن والعجر والبجر، ومع هذا لا أحد يستطيع أن يجيبنا ثم ماذا بعد هذا؟ من سيحكم وبماذا سيحكم؟وما هو دورنا؟ وماهو نصيبنا كشريحة لها وجود في المجتمع الذي نعيش فيه إذا ظل الأمر على ما هو عليه وجاءت ديموقراطية يجد فيها الإسلاميون بعض المتنفس وشيئاً من حرية الحركة والتنظيم.

بل أخشى ما أخشاه أن يفلت الزمام ونعود لتلك الدائرة المغلقة في الاشتباك مع بعضنا البعض ومع الجماعات السلفية من أتباع ذيل بغلة السلطان، حين يبدأ الحديث عن الكيفية التي سيخرج بها الإسلاميون تصورهم للحكم وشكله وبنائه (الدستوري) الشرعي الذي يضبط الأمور، بينما يسير بني علمان والرويبضات في طريقهم لوضوح رؤيتهم وجاهزية برامجهم واستعداد حشودهم لتطبيق ما به يؤمنون، ولتوطيد دعائم مناهجهم وسلطتهم أكثر فأكثر، ويكون الإسلاميون كمن يضيع جهوده في الجدل الفارغ كم شيطاناً يمكن أن يجلس على رأس الدبوس؟!
ولا نصحو إلا على الكي والصعق وجرجرة السلاسل وأصوات الآهات، وقد ملئت منا السجون وقرقعت الرقاب المدلاة بالمشانق.

فعلينا أن نهتم بالجانب السياسي والفكري أكثر بحيث نضع في تصورنا برنامجاً نتحسب فيه لمثل ما حدث، حتى لا تكون السلطة حكراً ودُولةً بين أرباب السياسة والقوانين الوضعية، ونكون نحن بين فريقين أحدهما يحمل السلاح وهو بعيد عن الساحة الداخلية رغم أثره العالمي، والثاني قانع خانع مستسلم للقهر في جبرية بغيضة رغم الكثرة.

فتلخيصاً لما سبق أقول أن التخطيط لتحديد نوعية الصراع يجعلنا نتحسب لأي ظرف مهما بلغ سوؤه، ويجعلنا نتحفز للعمل؛ فالرؤية واضحة, والأهداف محددة, وتحقيق ذلك بالوسائل المتاحة.

وأختم كلامي هذا بأمور أرى أن لها الأولوية الآن وهو أن ينتظم بعض الإخوة من الذين لديهم القدرة على إدارة صراع سلمي بتكوين جسم احتسابي يحشدون له كل ما يستطيعون من الإمكانيات الإدارية والفكرية والمالية وغيرها, لتحقيق الآتي:

-أن يسعى هذا الجسم في حشد الناس للضغط لتحرير أخواتنا المسلمات من براثن النصارى، ولتوفير الحماية لأي مهتدٍ أو مهتدية تكتم إيمانها وتخشى من البطش بها.
-المطالبة بالإفراج عن جميع السجناء الإسلاميين في السجون علامة على انتهاء الظلم وبدء عهد الحرية الجديد.
-الدفاع عن أي معتقلين إسلاميين والمطالبة بوقف أية انتهاكات تلحق بهم، فلقد مضى العهد الذي يكون فيه الإسلاميون والمجاهدون محل تسلية وتفريغ لشحنات الكره والغضب للدين والمتدينين، والدفاع هنا يكون بأية وسيلة ممكنة ولو ألجأتنا إليها الضرورة فلا ينبغي أن يترك المجاهدون والعلماء في السجون بحجة أنه لا يجوز فك أسرهم إلا بالقتال مع عجزنا الواضح عن العمل العسكري في هذا الاتجاه، فالسجون مكتظة بعشرات الألوف ونحن نتفرج، ومن عذر نفسه بالعجز عن فكهم وخذلانهم فلا يقفن حجرة عثرة في وجه السعي لحريتهم.
-السعي في محاكمة ومحاسبة كل مجرم تعدى على عرض مسلم أو مسلمة، من الضباط والجنود، فالقصص كثيرة والضحايا موجودون والجلادون لا ينبغي أن يفلتوا من العقاب.
-التصدي لأية محاولة تضييق على نشاطات الجماعات الإسلامية، سواء أكانت عن طريق التقييد القانوني أو الأمني وإثارة الرأي العام ضدها.
-النظر في القانون لحذف أية مادة تشرعن القمع أو تقيد حريات الإسلاميين وتحرم نشاطهم وتجرم مطالبتهم بتحكيم الشريعة، فالقانون الوضعي شئنا أم أبينا مطبق علينا ونحاكم به، فإن لم يكن بأيدينا تغييره الآن فعلى الأقل بهذا الجهد لن يكون سيفاً مسلطاً على رقابنا به نظلم ونقتل ونسجن، ونترك أربابه يجورون علينا به ونحن لا نحرك ساكناً بحجة أننا سنرضى بالتحاكم إليه أو تسويغ تشريعه.

والمسائل كثيرة وما ذكر أمثلة ويمكن لمن يتصدى لهذا الأمر أن ينظر في زيادتها بحسب اطلاعه على واقعه وما يناسب حال بلده.

ختاماً في الحلقة القادمة نتحدث عن التخطيط للقوة اللازمة لإحداث التغيير، بحيث نفعّل جزءًا من قوتنا وأنشطتنا المهدرة أو غير المستخدمة, ونستغل الجهود المبعثرة في عمل منظم محكم يكون فيه الخير للبشرية جمعاء بإذن الله تعالى.

والله الموفق والمعين والمسؤول أن يأخذ بنواصينا للحق والدين.

(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)

حمزة بن محمد البسام
راية العقاب

24 ربيع الأول 1432 – 27/2/2011

—————————————-
[1] يراجع كتاب قواعد في الممارسة السياسية لجاسم سلطان.
[2] هناك مسودة لبحث يتناول حرب اللاعنف ومقارنة ذلك بالمرحلة المكية، أسأل الله أن يرى النور قريباً لتعم الفائدة.
[3] وهم بهذا يقصدون تعطيل الجهاد خابوا وخسروا، ولكن نحن هنا نتحدث عن تكتيك مرحلي أثبت جدواه وفعاليته فوجب الاستفادة منه.


~ انشر؛ كُن مشاركًا ولا تكن متفرجًا ~
{وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ}